الظاهرة الحضرمية – نجيب الزامل
لأمر عملي وتجاري ذهبت مع زميل إلى جدة, منذ قرابة عقد من الزمن, لمقابلة أحد كبار التجار السعوديين من ذوي الأصول الحضرمية, ومازال يطلق عليهم اسم التجار الحضارمة. وكان لهذا الرجل ولأعماله سمعة مدوية, وقد يكون من صور المبالغة ما كان يعتقده الكثيرون بأنه الثري الأول في المدينة, وجدة مدينة ينشط في كنفها أكبر الاسمناء التجارية السعودية, تارجنا كان من كبار مستوردي الأغذية, ومن كبار أصحاب العقارات والأملاك وفرعوه واسمه يصدمان نظري منذ الطفولة, ولنعطه هنا اسما غير حقيقي, ليسهل الحديث عنه وليكن ((باخير)).
عندما نزلت إلى المدينة كان من السهل الاستدلال على أحد إبراج الضخمة, والجميع كان يقول لنا تجدون ((العم باخير)) وهذه صفة من أخلاقيات الحضارمية, حيث ((العم)) كلمة الاحترام والتبجيل, وليس كلمة ((شيخ)) الدارجة في الخليج – وأن تغيرت الآن مع الأجيال – تجدونه في السوق.
وذهبنا إلى السوق في باطن المدينة وإلى مقربائعي الغذية, وبحثنا عن مقر فخم يحمل اسم با خير, ولم نجد الأكادنين غائرة صغيرة مثل الكهوف الضيقة!.
أسر أحدهم إلى أن (مكتب باخير هو ذاك) ولهول الواقعة علينا طبعا – كان الدكان جحرا حرفيا – نزلنا الدرجات الرطبة الضيقة وأوقفنا مباشرة حائط صغير من علب الأغذية المحفوظة, وخلفه شيخ ثابت الجنان, عميق التقاطيع سمح الابتسامة, صغير البدن ويلمع في عينية ذكاء ودهاء لا يخفيان, أفادنا أن هذا مقره منذ كان, وإلى أن يكتب الله أمرا مقضيا.
ودار بيننا نقاش غير طويل, ولكن أدركت على الفور أنني مع واحد من أعظم المحنكين في الأعمال, لم أفز منه بشيء, ولو بقيت قليلا ... لنجح في بيعي واحدة من العلب التي أمامه.
با خير الذي لن أنساه في جلسته الصامدة كإحدى لوحات مدارس الرسم التأثيري كان عصارة حضارة وعقلية وفلسفة حضرموت ربما كانت واحداً من أكثر التيارات نجاحاً ولبساً وغموضاً.
وفي المرحلة الثانوية كان تلميذا صامتاً, وعلى شفتيه ابتسامة كأنها خلقت معه, ويحمل شعرا كثا غزيراً, اسمه الأول عمر ولو انتحلت لعائلته اسما على النهج الحضرمي لما ترددت أبداً في تسميته ((عمر باعقل)) فقد كان يتمتع بعقل عظيم, واحد من أذكى من رأيت في حياتي حتى الآن.
لم يكن يدهشنا بل كان يدهش المعلمين, حيث كان بسهولة فائقة يفوق كل واحد منهم, وفي تخصصه ومجاله أما نحن, فلم نكن أصلاً ندرك ما يقول!!
حياة باعقل كانت مليئة بمصادمات الحياة المؤلمة, من تلك التي تصالح ميلودراميات وحزائنيات حسن الإمام المخرج المصري الشهير, لم يتدرج في مراحل التعليم, ولكن عندما تبناه أحد رجال الأعمال, سلمه مكتب خدمات ضئيل, ((فقط ليمنحه المساعدة)) وفي أعوام قليلة صار هذا المكتب واحداً من أنجح المكاتب المثيلة في البلاد.
إن الظاهرة الحضرمية جديرة بالدراسة والتمحيص ووجه التشابه بينها وبين ((الدياسبورا الصينية)) أي الشتات الصيني, كثيرا من ناحية الترابط الاثنى, والتجمع الحمائي, وتسيير الأعمال تواتراً في الشبكة العرقية, ومع اختلاط وتزاوج الأجيال الجديدة من الحضارم, بدأت الخصوصة الحضرمية في الأفول, وأنا أرجو غير ذلك, لأن إجابات كثيرة لم نحصل عليها من أسئلة تطرق حول الجماعات الحضرمية.
هنا شيء يميزهم كعرق من ناحية انثربولوجية وفسيولوجية.
الحضارم تفوقوا على أعتى جماعات الأعمال في جزر الهادي البعيدة, وهم العصب الصينية, ورسخوا أعمالهم وحضارتهم ومعها دينهم ومبادئهم . ومازال السجل الحضرمي الفردي يزخر بأكثر الأفراد ذكاء وفي أكثر من مجال, وليس الأعمال والتجارة فقط ثم لا أدري لماذا كان المطرب يشدو في ((بنات المكلا)).
الكاتب : نجيب الزامل
رجل أعمال سعودي / الدمام – السعودية
في زاويته (الرأي) في صحيفة الاقتصادية العدد 1950 الاثنين 11 يناير 1990م.



