قطوف يمنية

نقطف لك في هذه المدونة ما يتعلق باليمن وحضرموت من الكتابات المنثورة في أوعية النشر المختلفة من صحف ومجلات ونحوها.

الحساني والحضارم – بقلم سالم بن أحمد سحاب

الحساني والحضارم

بقلم سالم بن أحمد سحاب

حسن وجميل ما كتبه الأستاذ محمد الحساني الجمعة الماضية في هذه الصحيفة الغراء بعنوان (الحضارم) وما كتبه حق كله, وفيه من الوفاء.

لإخوة عاشوا بين ظهرانيا أمد طويلاً حتى اشتد التصاقهم بهذه الأرض الطيبة فكانوا أقرب إليها من بعضنا, خاصة عند الحديث عن تلك المعاني والفضائل التي أشار الكاتب الكريم فالرجولة والصدق والالتزام وحسن التعامل هي سمات وخصائص تعتز بها هذه البلاد, بل وتفاخر بها عبر تاريخها الطويل, لذا فهي تجد في أبناء حضرموت نماذج حية تكرس قيم المجتمع السعودي وتذكر بكثير من فضائلة.

ولا يخفى على أحد أن كثير من الحضارم هم مواطنون سعوديون عاشوا في هذه البلاد منذ أن وحد الملك عبدالعزيز رحمه الله الجزيرة وربما قبل ذلك التاريخ المجيد ولذا فلا يشعر المواطن منا إلا بعميق الأخوة نحو هذه الفئة الطيبة سواء كانوا مواطنين مثله أم لم يكونوا, ولوجود هذا العمق الأخوي الضارب في هذه الأرض الطيبة جذورة وعروقة, فإن أحدنا قد يتعجب أحياناً لعد حصول بعض من هؤلاء القدامي أو أبنائهم على الجنسية السعودية, لكن التعجب يزول طبعاً عندما تتضح الصورة وتتبين الأنظمة والقوانين.

لكن هذه أو تلك لا تنفي حقيقة هذا الارتباط الوثيق بين أبناء الجزيرة هنا وأبناء الجزيرة الذين قدموا إلينا من حضرموت, فهم منا ونحن منهم, سواء كانوا موطنين مساويين لنا في الحقوق والواجبات, أو كانوا وافدين ترعرعوا في رحاب البلد الأمين أو فيما حوله من هذه المملكة الطيبة, فلم يعرفوا إلا ثراها ولم يشموا إلا هواءها ولم ينهلوا العلم إلا من مناهجها .. بادلتهم الحب حبا ... والعطاء عطاء ... والمملكة قيادة وشعبا أهل لتقديم المزيد ... وبالله التوفيق.

د. سالم بن أحمد سحاب

جريدة المدينة الأربعاء 5 ربيع الأول 1418هـ.

الحضارم – بقلم محمد أحمد الحساني

الحضارم 
بقلم محمد أحمد الحساني

 

يطلق أهل منطقة مكة المكرمة على الإخوة القادمين أصلاً من حضرموت اسم ((لحضارم)) ومفردهم حضرمي وقد وجدت أن الحديث عنهم في المجالس العامة والخاصة عادةًً ما يقترن بالثناء عليهم وأنهم ((رجال)) يعرفون كيف يربون أبنائهم على الفضيلة والرجولة والبعد عن سفاسف الأمور, والاهتمام بما ينفع وترك ما يضر من قول أو عمل!.

ويتحدث الناس عن أسماء لامعة في عالم الاقتصاد والتجارة والصناعة, وكيف أن هذه الأسماء بدأ من الصفر ثم أمست من أعظم بيوت التجارة وأنهم يتسمون بالنزاهة والدقة في العمل والجلد والصبر والالتزام, ولذلك فقد كانوا هم اللبنة الأساسية في معظم المؤسسات المالية إدارة وتصريفاً, فالعمل لديهم محترم ووقته ثمين والحقوق محفوظة والأمانة قائمة, ولا مجال للتلاعب بالزمن أو الأرقام.

وهذا الاطمئنان إليهم وإلى سلوكهم جعلهم في مقدمة من توكل إليهم الأمور المالية حتى في المصالح الحكومية وإلى عهد قريب.

والحقيقة أن ما يقال عن علو همة الأخوة ((الحضارم)) أو الذين من أصل حضرمي فيه الكثير من الصحة والصدق وقد عشت مع عدد منهم وتعاملت معهم مادياً ومعنويا فوجدت فيهم الرجولة والفضل, وهم حازمون في تربية أبنائهم ولا يسمحون ((للزقر)) من أبنائهم وهي الفتى الصغير أن يحيد عن النهج الصارم الذي سارت وتسير عليه بقية الأسرة وإلا واجه عقوبات أشد صرامة, وقليلاً ما يشذ الأبناء عن القاعدة لأنهم يفتحون عيونهم فيجدون أمامهم القدوة الحسنة .. في الجد والأب والإخوة الكبار .. جدية في العمل وخرصاً على المصلحة وسعياً نحو النجاح ويعود لأهالي حضرموت مخاصة ((السادة)) منهم ... أي الذي ينتسبون للبيت النبوي الشريف فضل في نشر رسالة الإسلام في أنحاء متفرقة من آسيا وأفريقيا مثل أندونيسيا والفلبين وتنزانيا وكينيا وغيرها, ولا شك أن الذي جذب أولئك الأقوام إلى الإسلام ما رأوه من تعامل حسن ورجولة وفضيلة في سلوك أولئك التجار الذين قدموا إلى تلك البلاد بقصد التجارة والدعوة إلى الله ثم تزواجوا منه أهلا وأصبحوا منهم واتجه بعضهم إلى العلم والتدريس, تحفيظ القرآن الكريم واللغة العربية.

الا يستحق هذا الشعب تحية أخوية مني حتى لو لم لما سطرت مناسبة محددة ... بلى أنه يستحق ذلك !.

محمد أحمد الحساني.

جريدة المدينة

الحضارم لا يحبون المظاهر – أبو عامر الحضرمي

الحضارم لا يحبون المظاهر – أبو عامر الحضرمي

الحضارم لا يحبون المظاهر

سعادة الأستاذ محمد التونسي رئيس تحرير الاقتصادية.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

قرأت في صحيفتكم ((الاقتصادية)) في العدد رقم 1950م بتاريخ 11/1/1990م

مقالات بعنوان الظاهرة الحضرمية كتبه نجيب الزامل ومن قراءة عابرة لرأي الزامل, يبدوا أن في مخزون نفسه مأخذا قديماً على أحد التجار الحضارمة وهذه سمة من سمات البشر التنافس.

والكاتب تاجر ورجل أعمال يروم الربح السريع حتى يتمكن من الحفاظ على المظهر اللأئق والمرموق والمقر الفخم الذي ينشده لنفسه بعكس أخيه التاجر ((باخير)) الذي يدير تجارته الواسعة من أحد الدكاكين الغائرة مثل الكهوف الضيقة, وكما قال ذلك المكان جحراً حرفيا.

وأود أن أقول للكاتب أنه يجهل العقلية الحضرية والتركيبة النفسية الحضرمية, فإخوانك الحضارمة أناس لا يعشقون المظاهر, وبينهم وبينها جفوة كبيرة, هم البسطاء في التفكير والعقلية والحياة والعيش, ميالون إلى الحياء والخجل كثيراً, يتحملون الأذى والمكاره بالصبر, مقرنين النعمة بالشكر والثناء.

ولا تأخذ صديقك عمر با عقل على أنه مقياسك الجاهز على كل العقول الحضرمية ولا تعتقد إن كان من يتمتع بعقل عظيم من الحارمة أن حياته مليئة بالصدقات المؤلمة أوانها – حسب تعبيرك – تصلح أن تكون عملا ميلودراميا.

والنقطة الثانية في المقال أن الظاهرة الحضرمية جديرة بالدراسة والتمحيص. ووجه التشابه بينها وبين ((الدياسبورا الصينية)) ومعذرة فحسب علمي المحدود أن مصطلح Diaspora – الشتات – في القاموس السياسي, وهو مناطق الوجود اليهودي المبعثر خارج أرض إسرائيل ((فلسطين)) أي شتات اليهود في العالم. ولم نسمع أبداً عن الشتات الصيني الذي بوجوده ونحن إخوانك وبنو عمومتك لم يكن لنا يوماً في تاريخنا شتات وليست ثمة تشابه بيننا وبين اليهود.

لا أعلم هل أنت تجنح في التعامل بلغة الرموز أو أن مازال فيك الخير فمنعك الحياء أن تقول الشتات اليهودي لعل خيالك الواسع أوحى إليك بالترابط وتجامع حماني, أو أننا عرق أننا عرق خاص له مميزات انثربولوجية وفسيولوجية وغيرها من المصطلحات التي اسعفتك بها قريحتك, والحضارك عرقا خاص بل هم أخوانا عرب من هذه الجزيرة تفصل بيننا وبينك بضعة كيلومترات من الرمال, ركب أجدادنا البحار صوب شواطئ جديدة في شرق آسيا وفي أفريقيا منذ قرون خوال, وكانوا خير بني يعرب تمسكا بالدين ومحافضة على قيمه السامية شرقاً وأمانة.

ولهذا السلوك الحميد دخل الملايين في دين الإسلام حبا وقناعة وإن كانت لنا خصوصية نفتخر بها فهذه والحمد لله خصوصياتنا.

لم نعزل أنفسنا عن المجتمعات التي هاجرنا صوبها, بل هناك تزاوج بيننا وبينهم صلة رحم وود, وانصهر الكثير منا في تلك المجتمعات وصاروا من نسيج ذلك المجتمع وجزء من تلك الأمم فوفق منا الكثير وخابت الأكثرية في جانب التجارة والحياة العملية.

وأرجوان يزيح الكاتب من تفكيره صورة الحضرمي ثابت الجنان عميق التقاطيع سمحة الابتسامة صغير البدن يلمع من عينيه ذكاء ودها, يقف خلف علب الأغذية المحفوظ, عندما تأتيه لم تفز منه بشيء وتكون شاطراً أن أفلحت بالنجاة منه أن لم ينجح في أن يبيع لك علبة من علبه.

والحضارم قوم قلة من اليمن ولكنهم في العرب كقنطار ملح في صومعة كبيرة من صوامع الغلال, أعطينا مساهماتنا المتواضعة في الحياة الفكرية العربية, ابتداء بالشاعر لمرئ القيس الكندي ومرورا بأبي عبدالرحمن ابن خلدون الحضرمي وعلي أحمد باكثير, وعبدالله بلخير في الزمن القريب.

ويبدوا أنك من المهتمين بالفن والطرب فأسأل عن طلال مدراح, والدكتور عبدالرب إدريس وأبو بكر سالم ومن قبل أستاذ الفنانين الخليجيين عبدالرحيم اليماني أبو الصوت الخليجي وإن شئت عددت لك المئات هنا وهناك من فنانين وفنانات تشكيليين وموسيقيين وأدباء وكتاب وعلماء وأساتذة جامعات ومقرئين وأطباء وطيارين وأهل الكفاءات تحفل بهم الحياة الفكرية والثقافية.     أبوعامر الحضرمي – جدة - السعودية

الظاهرة الحضرمية – نجيب الزامل

الظاهرة الحضرمية – نجيب الزامل

لأمر عملي وتجاري ذهبت مع زميل إلى جدة, منذ قرابة عقد من الزمن, لمقابلة أحد كبار التجار السعوديين من ذوي الأصول الحضرمية, ومازال يطلق عليهم اسم التجار الحضارمة. وكان لهذا الرجل ولأعماله سمعة مدوية, وقد يكون من صور المبالغة ما كان يعتقده الكثيرون بأنه الثري الأول في المدينة, وجدة مدينة ينشط في كنفها أكبر الاسمناء التجارية السعودية, تارجنا كان من كبار مستوردي الأغذية, ومن كبار أصحاب العقارات والأملاك وفرعوه واسمه يصدمان نظري منذ الطفولة, ولنعطه هنا اسما غير حقيقي, ليسهل الحديث عنه وليكن ((باخير)).

عندما نزلت إلى المدينة كان من السهل الاستدلال على أحد إبراج الضخمة, والجميع كان يقول لنا تجدون ((العم باخير)) وهذه صفة من أخلاقيات الحضارمية, حيث ((العم)) كلمة الاحترام والتبجيل, وليس كلمة ((شيخ)) الدارجة في الخليج – وأن تغيرت الآن مع الأجيال – تجدونه في السوق.

وذهبنا إلى السوق في باطن المدينة وإلى مقربائعي الغذية, وبحثنا عن مقر فخم يحمل اسم با خير, ولم نجد الأكادنين غائرة صغيرة مثل الكهوف الضيقة!.

أسر أحدهم إلى أن (مكتب باخير هو ذاك) ولهول الواقعة علينا طبعا – كان الدكان جحرا حرفيا – نزلنا الدرجات الرطبة الضيقة وأوقفنا مباشرة حائط صغير من علب الأغذية المحفوظة, وخلفه شيخ ثابت الجنان, عميق التقاطيع سمح الابتسامة, صغير البدن ويلمع في عينية ذكاء ودهاء لا يخفيان, أفادنا أن هذا مقره منذ كان, وإلى أن يكتب الله أمرا مقضيا.

ودار بيننا نقاش غير طويل, ولكن أدركت على الفور أنني مع واحد من أعظم المحنكين في الأعمال, لم أفز منه بشيء, ولو بقيت قليلا ... لنجح في بيعي واحدة من العلب التي أمامه.

با خير الذي لن أنساه في جلسته الصامدة كإحدى لوحات مدارس الرسم التأثيري كان عصارة حضارة وعقلية وفلسفة حضرموت ربما كانت واحداً من أكثر التيارات نجاحاً ولبساً وغموضاً.

وفي المرحلة الثانوية كان تلميذا صامتاً, وعلى شفتيه ابتسامة كأنها خلقت معه, ويحمل شعرا كثا غزيراً, اسمه الأول عمر ولو انتحلت لعائلته اسما على النهج الحضرمي لما ترددت أبداً في تسميته ((عمر باعقل)) فقد كان يتمتع بعقل عظيم, واحد من أذكى من رأيت في حياتي حتى الآن.

لم يكن يدهشنا بل كان يدهش المعلمين, حيث كان بسهولة فائقة يفوق كل واحد منهم, وفي تخصصه ومجاله أما نحن, فلم نكن أصلاً ندرك ما يقول!!

حياة باعقل كانت مليئة بمصادمات الحياة المؤلمة, من تلك التي تصالح ميلودراميات وحزائنيات حسن الإمام المخرج المصري الشهير, لم يتدرج في مراحل التعليم, ولكن عندما تبناه أحد رجال الأعمال, سلمه مكتب خدمات ضئيل, ((فقط ليمنحه المساعدة)) وفي أعوام قليلة صار هذا المكتب واحداً من أنجح المكاتب المثيلة في البلاد.

إن الظاهرة الحضرمية جديرة بالدراسة والتمحيص ووجه التشابه بينها وبين ((الدياسبورا الصينية)) أي الشتات الصيني, كثيرا من ناحية الترابط الاثنى, والتجمع الحمائي, وتسيير الأعمال تواتراً في الشبكة العرقية, ومع اختلاط وتزاوج الأجيال الجديدة من الحضارم, بدأت الخصوصة الحضرمية في الأفول, وأنا أرجو غير ذلك, لأن إجابات كثيرة لم نحصل عليها من أسئلة تطرق حول الجماعات الحضرمية.

هنا شيء يميزهم كعرق من ناحية انثربولوجية وفسيولوجية.

الحضارم تفوقوا على أعتى جماعات الأعمال في جزر الهادي البعيدة, وهم العصب الصينية, ورسخوا أعمالهم وحضارتهم ومعها دينهم ومبادئهم . ومازال السجل الحضرمي الفردي يزخر بأكثر الأفراد ذكاء وفي أكثر من مجال, وليس الأعمال والتجارة فقط ثم لا أدري لماذا كان المطرب يشدو في ((بنات المكلا)).

 

الكاتب : نجيب الزامل

رجل أعمال سعودي / الدمام – السعودية

في زاويته (الرأي) في صحيفة الاقتصادية العدد 1950 الاثنين 11 يناير 1990م.